عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

81

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

أوليس عندكم أبو الحسن ؟ وددت أنّ وسادتي عتبة أبي الحسن الدباغ ! ما يكلمه أحد إلّا احمرّ وجهه ، ولقد كان أحي من الأبكار . وقام رجل من أهل المشرق ، فسمع النّاس يقولون : أبو الحسن الدباغ الفقيه ، وأبو إسحاق السّبائي العابد ، فقال لهم : بل العابد أبو الحسن ، والعالم النّحرير أبو إسحاق . قال : وقال أبو الحسن بن الحلاف : يخيّل لي أنّ صاحب الشّمال « 1 » لا يكتب على أبي الحسن لطهارة قلبه ، وعفّة بطنه ، وحفظ لسانه ، ورعاية جوارحه . ذكر بقية أخباره قال : كان أبو الحسن قد ورث مالا حلالا ؛ فأقام نفسه فيه مقام الفقراء وأسوتهم ، وكان يغتل في كل شهر أربعة دنانير ، اثنين لصدقته ، واثنين لنفقته . قال الشيخ أبو الحسن القابسي : كان لأبي الحسن الدباغ فندق له غلة كثيرة عظيمة ، وكان الناس يقصدونه من كل موضع ، فشرب فيه رجل مسكرا ، فأخبر الشيخ بذلك ، فوقع في قلبه منه أمر عظيم . وقال : عشت في الدنيا حتى يكون لي فندق يعصى اللّه فيه ، وبكى بكاء عظيما . وقال للّه عليّ إن بتّ وهذا الفندق في ملكي ، ووجّه في الحين رجلا وقال له : بعه ممن وجدت ، فبيع في الوقت ، وذكر أنّه تصدّق بجميع ثمنه ويروى أنّه أصابه في آخر عمره بلغم فكان لا يستطيع القيام على قدميه ، فإن كان له حاجة حمل إليها أو زحف في البيت ، فإذا توضّأ للصلاة ، أخذ بيده فاستوى قائما فأحرم وقرأ « 2 » وركع ، وسجد ، ولا أحد يمسكه ، ولا يستند إليه ، ولا يعتمد حتى يتم الصلاة ، فإذا فرغ من صلاته عاد إليه الضعف إلى وقت دخول الصلاة الآخر .

--> ( 1 ) المراد بصاحب الشّمال ؛ هو الملك الذي يكتب سيّئات ابن آدم ، وهو عكس ملك اليمن الذي يكتب الحسنات . أما قول المصنف : أنّ صاحب الشّمال لا يكتب على أبي الحسن ، في هذا القول مبالغة ؛ لأن العصمة من الخطايا للأنبياء وحدهم فقط ، أما عداهم يصيب تارة ويخطئ أخرى ؛ وفي هذا دليل من رواية أنس رضي اللّه عنه : « كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التّوّابون » أخرجه الدّارمي في السّنن ، كتاب الرّقاق ، باب في التوبة ، والترمذي في السنن ، كتاب صفة القيامة ( 38 ) باب 49 حديث ( 2499 ) ، وابن ماجة في السنن ، كتاب الزهد ( 37 ) ، باب ذكر التوبة حديث ( 4251 ) واللفظ للترمذي وابن ماجة . وقد حسنه الألباني في سنن الترمذي . ( 2 ) زيادة من : ت .